محمد بن جرير الطبري

67

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ما قاله ابن عباس ، وأن معناه : أوفوا يا أيها الذين آمنوا بعقود الله التي أوجبها عليكم وعقدها ، فيما أحل لكم وحرم عليكم ، وألزمكم فرضه ، وبين لكم حدوده . وأنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال ، لان الله عز وجل أتبع ذلك البيان عما أحل لعباده وحرم عليهم وما أوجب عليهم من فرائضه ، فكان معلوما بذلك أن قوله : أوفوا بالعقود أمر منه عباده بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك ، ونهي منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه ، مع أن قوله : أوفوا بالعقود أمر منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه ، فغير جائز أن يخص منه شئ حتى تقوم حجة بخصوص شئ منه يجب التسليم لها . فإذ كان الامر في ذلك كما وصفنا ، فلا معنى لقول من وجه ذلك إلى معنى الامر بالوفاء ببعض العقود التي أمر الله بالوفاء بها دون بعض . وأما قوله : أوفوا فإن للعرب فيه لغتين : إحداهما : أوفوا من قول القائل : أوفيت لفلان بعهده أو في له به والأخرى من قولهم : وفيت له بعهده أفي . والايفاء بالعهد : إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة . القول في تأويل قوله تعالى : أحلت لكم بهيمة الأنعام . اختلف أهل التأويل في بهيمة الأنعام التي ذكر الله عز ذكره في هذه الآية أنه أحلها لنا ، فقال بعضهم : هي الانعام كلها . ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا عبد الأعلى ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : بهيمة الأنعام : هي الإبل والبقر والغنم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : أحلت لكم بهيمة الأنعام قال : الانعام كلها . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا ابن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أحلت لكم بهيمة الأنعام قال : الانعام كلها . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : أحلت لكم بهيمة الأنعام قال : الانعام كلها . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بهيمة الأنعام : هي الانعام .